حسن بن عبد الله السيرافي
243
شرح كتاب سيبويه
والوجه الآخر : أن يكون من قولك : " ذهبت به " في معنى : " أذهبته " فيكون " زلّت به " في معنى : " أزلّته " . وقد كان بعض أصحابنا يذهب إلى أن قولك : " ذهبت بزيد " معناه على غير معنى " أذهبت زيدا " ؛ وذلك أن قولك : " أذهبت زيدا " معناه : أزلته ، ويجوز أن تكون أنت باقيا في مكانك لم تبرح . وإذا قلت : ذهبت بزيد ، فمعناه ذهبت معه ، وهذا يحكي عن أبي العباس المبرد . وبعض الناس ينكر هذا ، ويقول : معناهما سواء ؛ لأن اللّه تعالى قد قال : لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ " 1 " في معنى أذهب اللّه سمعهم وأبصارهم ، وهو تعالى غير ذاهب ، ويحتج بالبيت الذي أنشدناه أنّ الصّفواء غير زالّة . وللمحتج عن أبي العباس أن يقول في الآية : إن اللّه تعالى وإن لم يكن ذاهبا ، فقد وصف نفسه في مواضع من القرآن بالمجيء والإتيان ، فهو أعلم بحقيقة ذلك ، فقال : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا " 2 " وقال : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ " 3 " . وأما قول النابغة : كأنّ رحلي وقد زال النّهار بنا * بذي الجليل على مستأنس وحد فإنما يريد غابت الشّمس ، وذهب النهار ، وهم ما زالوا . والمعنى عندي أن النهار أزالهم من مكان كانوا فيه إلى مكان صاروا إليه ، وزال أيضا معهم بأن غابت شمسه وذهب وقته ، فصار بمعنى قولك : " ذهبت بزيد " ، بمعنى " أذهبته " و " ذهبت معه " . وقد كان قوم من أهل اللغة يجعلون " الباء " هاهنا في معنى " على " ، فيقولون : زال النهار بنا في معنى علينا ، وهذا غير متحصّل ، والقول فيه ما خبّرتك به . وأما قول قيس بن الخطيم : ديار التي كادت ونحن على منى * تحلّ بنا لولا نجاء الرّكائب " 4 "
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية : 20 . ( 2 ) سورة الفجر ، آية : 22 . ( 3 ) سورة البقرة ، آية : 210 . ( 4 ) البيت في ديوانه 24 .